أحمد مصطفى المراغي

19

تفسير المراغي

التي كانت تحتقر هذا الجنس ، وعرفوا لهم فضلهم بعدلهم وسياستهم للأمم سياسة حكيمة أنستهم سياسة الأمم التي قبلهم ، وجعلت لذلك الدين أثرا عميقا في نفوسهم ، فدانوا لحكمه خاضعين ، واهتدوا بهديه راشدين . ( وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ ) أي ويعلمكم القرآن الكريم ويبين لكم ما انطوى عليه من الحكم الإلهية ، والأسرار الربانية التي لأجلها وصف بأنه هدى ونور ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم كان يتلوه عليهم ليحفظوا نظمه ولفظه ، حتى يبقى مصونا من التحريف والتصحيف ، ويرشدهم إلى ما فيه من أسرار وحكم ليهتدوا بهديه ، ويستضيئوا بنوره . ( وَالْحِكْمَةَ ) وهي العلم المقترن بأسرار الأحكام ومنافعها ، الباعث على العمل بها . ذاك أن سنة الرسول العملية وسيرته صلى اللّه عليه وسلم في بيته ، ومع أصحابه في السلم والحرب ، والسفر والإقامة ، في القلة والكثرة ، جاءت مفصلة لمجمل القرآن ، مبيّنة لمبهمه ، كاشفة لما في أحكامه من الأسرار والمنافع . ولولا هذا الإرشاد العملي لما كان البيان القولي كافيا في انتقال الأمة العربية من طور الشتات والفرقة والعداء ، والجهل إلى الائتلاف والاتحاد ، والتآخي والعلم ، وسياسة الأمم . فالنبي صلى اللّه عليه وسلم وقف أصحابه على فقه الدين ، ونفذ بهم إلى سرّه ، فكانوا حكماء علماء عدولا أذكياء ، حتى إن أحدهم كان يحكم المملكة العظيمة ويقيم فيها العدل ويحسن السياسة ، وهو لم يحفظ من القرآن إلا بعضه ، لكنه فقهه وعرف أسرار أحكامه . ( وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) أي ويعلمكم مع الكتاب والحكمة ما ليس مصدر علمه النظر والفكر ، بل طريق معرفته الوحي كأخبار عالم الغيب وسير الأنبياء وأحوال الأمم التي كانت مجهولة عندكم ، وأكثرها كان مجهولا عند أهل الكتاب أيضا ، وقد بلغوا في هذا النوع من العلم مبلغا فاقوا به سائر الأمم .